Saturday, November 25, 2023

 قبسات من نور القرآن

1- سورة البروج


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)

قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (4)  النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12)  إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ (16) هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18)    بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظ (22)

 

 

هدف السورة:

تعرض لنا السورة مواقف للثبات على الحق و الإيمان حتى الاستشهاد في سبيل الله على الرغم من التعذيب.

وفيها مواساة للمؤمنين أيام الرسول صلى الله عليه وسلم الذين لاقوا أصنافا كثيرة من التعذيب من قومهم لما عرفوا بإيمانهم، وحاولوا أن يعيدوهم إلى الكفر لكنهم ثبتوا على إيمانهم حتى قُتِلَ بعضُهم بسبب التعذيب، فنزلت السورة في مكة تذكر المؤمنين أن مثل هذا أيضا حدث لمن آمن قبلهم فصبروا وثبتوا حتى لقوا الله مؤمنين.

 وتخبرنا السورة  بمصير هؤلاء الذين يُقتلوا في سبيل الله، وأيضا تخبرنا بمصير مَن عَذَّبَهم وقَتَلَهم. فهذه السورة عظة لقريش وتثبيت لمن يعذبون من المؤمنين في كل الأزمان وبشرى للشهداء.

 

شرح لمعاني  بعض المفردات المفتاحية و لأسماء الله التي جاءت في سياق السورة فكلها تساعدنا في فهم الرسالة التي أتت بها السورة

معان المفردات

والسماء ذات البروج: اقسم الله بالسماء وهي معروفة لكل أحدٍ فهو يراها رأي العين ويؤمن بوجودها وبعظمةِ خَلْقِها ولا يَشُك في وجودها أحدٌ كافرا كان أو مؤمنا من البشر على حد سواء، قال الله " لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس"،  ولهذا حَسُنَ القَسمُ بها لِيَدل ذلك على أنَّ لها صانعاً عظيما حكيماً ذو قدرة متناهية، وأنه القوي القادر الذي لا يعجزه هذا المخلوق الضعيف وإن تجبر وتكبر وطغى. أما البروج فجمع برج؛ وهى اجرام سماوية ظاهرة منها الاثنا عشر برجا المشهورة والتي يعرفها كل أحد و يستفيد الناس من مواقعها في السماء منذ قديم الزمان لتنظيم الحياة على الأرض وذلك بحساب الزمن على الأرض من شهور السنه  الشمسية الإثنى عشر ، وأيضا من معنى البروج هي منازل القمر ، وإنما حسن القسم بها لما في سير القمر وحركته من الآثار العجيبة على الحياة في الأرض، فهذا قسم بما يرى الناس كلهم وينتفعوا به ولا ينكرونه.

اليوم الموعود :هو يوم القيامة وهو يوم البعث هو اليوم الذي أخبر انبياء الله الناس انه آت بعد ان يبعثوا من الموت . و هنا يقسم الله بأمر غيبي بعد أقسم بامر مشاهد لا مراء فيه، للتأكيد ان يوم القيامة آت لا ريب فيه كما ترون السماء ولا تشكون في وجودها، وهذا اليوم الموعود غيبا لايؤمن به إلا القلة المؤمنون بالله من البشر، أما باقي الناس فكان لسان حالهم " قالوا ءإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون* لقد وعدنا نحن وءاباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الاولين" . وفي هذا القسم تهديد ووعيد لكل من أجرم وظلم وبغى. وكذلك وعد يطمئن من ظُلِم أن هناك قصاص يوم البعث وأن الله مالك يوم الدين سينتقم له.

 

اوشاهد ومشهود

المشاهدة هي المعاينة وتستلزم الحضور، والشهادة هي الإخبار وتبيين لأمر ما عن معرفة تقوم مقام الرؤية،  وتكون في الأمور الظاهرة، فالشاهد هو المخبر بالشهادة (الذي يبين ما علم) أو الحاضر.

 

وفي اللغة  الشَّاهِدُ: الرَّائِي، أَوِ الْمُخْبِرُ بِحَقٍّ في سياق التحاكم والتقاضي. وفي هذا السياق َيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ هو اللَّهَ تَعَالَى وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، أو من شهد موقفا من المواقف العصيبة كالتى يبتلى فيها المؤمنون ويعذبوا لقوله "وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود" شهود جمع شاهد.

 الْمَشْهُودُ: هو الشئ المرئي  الْمَشْهُود: هُوَ الَّذِي يَطَّلِعُ النَّاسُ عَلَى مَا يَجْرِي عَلَيْهِ ، وقيل في يوم القيامة "ذلك يومٌ مَشْهودٌ" أَي محضور يَحضُره أَهل السماءِ والأَرض

في السورة الْمُنَاسَبَةُ ظَاهِرَةٌ بَيْنَ شاهِدٍ وَمَشْهُودٍ وَبَيْنَ قَوْلِهِ: "وَهُمْ عَلى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ"، وَقَوْلِهِ: إ"ِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ" أَيْ حُضُورٌ، الشَّاهِدَ فِيهَا: وَهُمُ النَّظَّارَةُ الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَى مَا يَجْرِي ، وَأالْمَشْهُود: هُوَ الَّذِي يَطَّلِعُ النَّاسُ عَلَى مَا يَجْرِي عَلَيْهِ، وهنا هم المؤمنون الملقون في النار.

وأيضا هناك مناسبة بين القسم ب "شاهد ومشهود" والقسم ب"اليوم الموعود" الذي هو يوم القيامة الذي يحضره كل الخلائق وفيه سيشهد الخلائق كل على نفسه فيما عمل، و سيشهد على ما قد رأى من جرائم أو احداث، وسيشهد أعضاء كل انسان على افعاله، وسيشهد الملائكة الموكلون بكل انسان عليه، وسيشهد الأنبياء على أقوامهم، وفوق كل هؤلاء الله هو الشهيد على كل شيء، فستكون أحداث ذلك اليوم مشهودة عظيمة وسيكون فيه القضاء العدل وأخذ كل ذي حق حقه.

وقد يكون الشاهد هو نفس المشهود أي هو شاهد ومشهود في نفس الوقت اذا كان المقصود به الشهيد الذي يقتل لإيمانه فهو يشهد على ما حدث له فهو شاهد وهو مشهود لان تعذيبه بالنار يشهده بعض الناس القساة القلوب الذين حضروا الواقعة.

والشَّهِيدُ هو المقْتول في سبيل الله، والجمع شُهَداء وفي الحديث أَرواحُ الشهَداءِ قي حَواصِل طَيْرٍ خُضْرٍ، والذي يُسْتَشْهَدُ هو عند ربه حيّ ، "ولا تحسبن الذين قُتِلوا في سبيل الله أَمواتاً بل أَحياءٌ عند ربهم، يرزقون"  أَنَّ أَرواحهم أُحْضِرَتْ دارَ السلام أَحياءً وأَرواح غَيْرِهِم أُخِّرَتْ إِلى البعث، وقيل سُمُّوا شهداء لأَنهم ممن يُسْتَشْهَدُ يوم القيامة مع النبي صلى الله عليه وسلم على الأُمم الخالية قال الله عز وجل لتكونوا شهداء على الناس، وقيل لأَنه يَشْهَدُ ما أَعدّ الله له من الكرامة بالقتل،  "ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون* فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون* يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين" ال عمران 169- 171.

: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ، هُوَ دُعَاءٌ عَلَى أَصْحَابِ الْأُخْدُودِ بِالْقَتْلِ واللعن والطرد من رحمة الله أو بمعنى آخر هذا حكم الله في هؤلاء ووعيد لمن يفعل فعلتهم.

نقموا: النقمة هي المكافئة بالعقوبة، وفيها معنى الإنكار "وما تنقمون منا"، ونَقَمْتُ الأَمرَ ونَقِمْتُه إذا بالَغْت في كراهة الشيء .اذا هذه الكلمة لها عدة معان  فيها معنى شدة الكراهة للشئ وفيها معنى الانكار  على الشئ وفيها معنى المكافئة بالعقوبة. فكأن في هذه الكلمة ملخص حكاية أصحاب الأخدود. لما آمن الناس بالله الواحد نقم قومهم ذلك أي كرهوا ذلك كرها شديدا، ثم نقموا على المؤمنين ايمانهم أي أنكروا عليهم هذا الإيمان، ثم لما تمسك المؤمنون بإيمانهم نقم القوم منهم أي كافئوهم بالعقوبة الشديد وذلك بأن أوقدوا لهم نارا عظيمة والقوهم فيها وجعلوا يشهدون احتراق المؤمنين. ولا حول ولا قوة إلا بالله

 

 أما أسماء الله الحسنى وصفاته العلى التي وردت في هذا السياق لتخدم المعنى العام:

اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

العزيز: هو الذي ليس كمثله شيء وهو العزيز الذي لا يصل إليه أحد وهو العزيز الذي لا يقدر عليه أحد و لا يغلبه أحد،

الحميد: الذي يُحمد على كل شيء قدره "وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا"، وهو الذي يحمد لعباده ما يفعلوا من خير،

له ملك السماوات والأرض: أي كل ما في السماوات والأرض ملك لله، له حق التصرف فيها كما يشاء فهو الحقيق أن يعبد، وهو الشهيد الذى لا يغيب عنه شيء، فإذا قدَّر لقوم أن يُنالوا شرف الشهادة في سبيله صابرين ثابتين على الإيمان فله  في ذلك حكمة وهو العزيز القادر على أن يدفع عنهم ولكن "ليبلوا بعضكم ببعض" وليبلغهم أعلى وأسمى درجات الفوز العظيم، ولينصر بثباتهم الحق أمام الناس فيكونوا حجة عليهم، وقد يكونوا سببا  في أن يؤمن أناس آخرون بالحق فيضاعف أجرهم أضعافا كثيره ، والله أعلى وأعلم.

والله على كل شيء شهيد:

اما الشهيد من أسماء الله الحسنى، فهو على وزن فعيل من شاهِد للمبالغة، وفي حق الله فهو الحاضر كل حدث " وهو معكم أينما كنتم" وهو السميع البصير لكل ما يحدث الخبير ببواطن الأمور وخفايا النفوس فهو عن علم بكل شيء يشهده فهو الشهيد بحق،. وهو الشهيد يوم القيامة يخبر ويبين عن كل شيء حدث وقد أحاط بكل شيء علما صغيره وكبيره. فالله هو الحاضر المشاهد لكل شيء يحدث وهو يبينه ويخبر به يوم القيامة عند محاسبته للخلائق، "وكفى بالله شهيدا"، "قل أي شيء أكبر شهادة قل الله". وفى هذا الاسم طمأنة لكل من ظُلِمَ أن حقه لن يضيع أبدا، كما فيه وعيد وتهديد لكل ظالم أو مجرم.

 

إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ؛ (البطش شدة الأخذ) أن أخذه وعقابه غاية في الشدة، وهذا تهديد للمجرمين الذين يعذبون المؤمنين أنهم لن يُفلتوا من عذاب بئيس شديد لا ينتهي من الله العزيز الذي يمهل الظالم لحكمة.  

إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ؛  هو الذي كما بدأ خلق الإنسان فهو  يعيده بعد موته ،وهذا تأكيد على أن يوم القيامة قادم حتما لتجزى كل نفس بما كسبت، فعذاب الحريق وعذاب جهنم للمجرمين امده أبد آبدين ، أما بالنسبة للشهيد فهذا يطمئنه، فقتله في سبيل الله ليس نهاية المطاف بل سيعيده الله ويحييه وسيقتص له من قاتليه.

وهو الغفور؛ أي الذي يمحو الذنوب فبنزول أول قطرة دماء يغفر الله ذنوب الشهيد وهذا فضل عظيم

الودود: الود من الوتد الذى يربط الخيمة بالأرض يثبتها فيها ويصلها بها، فاسمه الودود ليس فقط المحب وانما هو المحب الذي يمد بأحبال الوصال والحب والعطف والكرم الى من أحبهم ليزيد من هذه المحبة وليقويها ويستديمها وليُقَرِّبهم إليه: فالله الودود يتودد لعبده المؤمن فيخفف الألم الذي يلقاه الشهيد عند قتله فيكون كألم قرصة الحشرة وهذه رحمة كبيرة وكرامة عظيمة، والله يشعرهم بمعيته وقربه منهم ما يُفْرِغ على قلوبهم الصبر ويلهمهم الثبات حتى ينالوا منه الفوز الكبير وهذا من اكرام الله وتودده، وهذا امر غامض يكون بين الله وبين اولياءه لا نراه باعيننا، لكن  قد يلحظه بعض الناس في الابتسامة التي شوهدت على وجوه الشهداء ورائحة المسك التي تنبعث من أجسادهم  عند قتلهم. ونعرفه من حكاية نبي الله إبراهيم لما ألقي في النار كيف جعلها الله بردا وسلاما عليه. فهي لمن شاهدها نارٌ عظيمة محرقة متوهجة، ولكنها في باطنها كانت بردا وسلاما على إبراهيم، فكان ظاهر الأمر غير باطنه؛ وهكذا امر الشهيد، فظاهر أمره تعذيب أو قتال مخيف لكن باطنه ان الله يُمِدُّه من ألطاف محبته وكرمة بما لا يراه الناس انما يشعر به المرء قبل استشهاده فيثبت وتهون عليه التضحية ، والذي يؤيد ذلك الحديث النبوى أنَّه " ما مِن أحَدٍ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا، وأنَّ له ما علَى الأرْضِ مِن شيءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فإنَّه يَتَمَنَّى أنْ يَرْجِعَ، فيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِما يَرَى مِنَ الكَرامَةِ" .وهذه الكرامة هي احبال المودة التي يمد بها الله الودود عباده فيُفْرِغ بها عليهم صَبره ويُثَبِّتهم بها حتى ينالوا شرف الشهادة ومقامها العالي الذي يرضاه لهم.  فهذا الحديث يدلنا «ما مِن عَبْدٍ يَمُوتُ، له عِندَ اللهِ خَيرٌ» رآهُ بعْدَ مَوتِه وما وَجَده مِن نَعيمٍ، «يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنيا» مرَّةً أُخرى حتَّى وإنْ أُعطِيَ الدُّنْيا وما فِيها، إلَّا الشَّهيدَ؛ فإنَّه يَتمنَّى أنْ يُرجِعَه اللهُ عزَّ وجلَّ إلى الدُّينا، فيُقتَلَ في سَبيلِه مرَّةً أُخرى؛ وذلك بسَببِ ما يَراهُ وما يَجِدُه ممَّا يُعطِيه اللهُ للشَّهيدِ مِن النَّعِيمِ، والحَظِّ الَّذي فضَّله اللهُ به على غَيرِه في الآخرةِ؛ فإنَّه بهذا الحظِّ يَطمَعُ في مَزيدِ عَطاءِ اللهِ له؛ وذلك بأنْ يَرجِعَ ويُقتَلَ في سَبيلِه؛ لِيَسْتَزِيدَ مِن كَرامَةِ الله وتَنعِيمِه وفضلِه الذي رآه من الله في الدنيا وعند موته، بخلافِ غيرِه مِن الصَّالحينَ أصحابِ أعمالِ البِرِّ غيرِ الشَّهادةِ هذا لعطاءات المحبة التي يغدقها الله على الشهيد في الدنيا قبل مشاهد النعيم التي يراها لحظة استشهاده.  فهذا يعطينا لمحة من معنى الودود في هذا السياق

ذو العرش المجيد: فالله تعالى له عرشه العظيم  وهذا العرش أعلى وأكرم المخلوقات وهو مجيد عالي المقام وهو فوق الفردوس الأعلى من الجنة أي هو في أعلى المستويات ، والجدير بالذكر أن هذا المقام  العالي المجيد إليه تذهب أرواح الشهداء فور استشهادها فيكونوا أحياء في جوف طير خضر تروح في الجنة حيث تشاء ترزق من رزق الجنة ثم تستقر في قناديل معلقة بالعرش، فياله من مقام كريم. ولعل ذكر العرش فيه إشارة الى هذا.

فعَّال لما يريد: لا يُسْأل عما يفعل وهم يُسألون، فلله حكمة عليا في تصريف الأمور، قد نتساءل لماذا تطول المحن وتشتد؟ لماذا لا ينصر الله الفئة مؤمنة على من يعذبها؟ ولماذا يترك بعض المؤمنين يُقَتَّلوا على يد عدوهم وعدوه؟ نعلم ان الله عزيز قادر على كل شيء حكيم يريد لهؤلاء المؤمنين الوصول إلى أعلى مقام يصله الأنسان مقام الاستشهاد، فهذا أكبر فوز لهم، أيضا وبصبرهم وثباتهم يُعَلِّي الله بهم قيمة الايمان امام من يشهد هذه الأحداث، أيضا هذه الصفة لله "فَعَّال لما يريد" تُرسى قواعد التأدب مع الله في قضائه وقدره، وتعيننا على التسليم لإرادته لأنه العزيز الحكيم الذي كل ما يصدر منه عن حكمة بالغة.

والله من ورائهم محيط: فهذه من صفات الله فالله محيط بهؤلاء الظلمة هم في قبضته يأخذهم حين يشاء، فإمهاله لهم عن مقدرة تامة على البطش بهم، وانما يؤجلهم لوقت هو يحدده لحكمة يُقَدِّرها. فإذا علم المؤمن أن الله محيط بالأعداء قَلَّ الخوف من قلبه وثبت على الإيمان وصبر، واذا علم المجرم بإحاطة الله من وراءه لعله يخاف ويخشى ويمتنع عن الظلم.

 

بعد هذه المقدمة والشرح لبعض من المعاني الهامة نبدأ في عرض شرح سورة البروج

 

 

 

شرح سورة البروج

 

في جولات الصراع بين الحق والباطل التي يعرضها القرآن كثيرا ما يُنَجِّي الله الفئة المؤمنة ويُهلك الظالمين؛ كما نَجَّى الله ُموسى وقومه من فرعون، ولوطا وأهله إلا امرأته ونجى شعيبا والذين آمنوا معه وكذلك نوح ومن آمن به وصالحا وهودا ومن آمن بهم،  لكن في أحيان أخرى يأخذ الصراع منحى آخر، وهذه السورة تعالج ابتلاء أفراد من المؤمنين في قضية الصراع بين الحق والباطل، فتعرض لجولة من جولات هذا الصراع حينما يُفْتَن أهلُ الحق على يد أهل الباطل فيُعَذَّبوا ويَثْبُتوا على الإيمان ويرفضوا العودة للكفر بالله حتى يُقْتَلوا فيٌسْدَل الستار في الدنيا على هذا المشهد.

نعلم أن الدنيا ليست النهاية، وأن الذي ندركه منها كبشر جزءا يسيرا وهو في حدود زمن حياتنا على الأرض، وما وراءه غيب لا يعلمه إلا الله،  فيشير القرآن مع السنة النبوية إلى الحقائق المخفية عنا في غيب الله فيما مضى من الأزمان أو ما هو آت بعد انقضاء الحياة، فآيات السورة بصائر كالعدسة المعظمة يرى من خلالها المؤمن مصير كل فريق رأي العين؛ فيري المؤمنون مصارعِ الظالمين ونهايتهم الحتمية،  ويروا أيضا مراتب ومصير الفائزين منهم المصطفين بالشهادة في سبيل الله، بهذا فإن المؤمن بالله المصدق بالقرآن وبالغيب لا يبالي إلا برضوان الله وإن كان في ذلك حتفه. فلا يوقف سعيه مصائب ولا أحزان لأنه مطمئن ان الله بيده كل شيء ولا يعجزه شيء، ولأنه يبصر في الأفق وعد الله الحق ويعيش سنن الله في الأرض وغايته رضا الله حتى النهاية.

 

لسورة البروج مكية نزلت اثناء الاضطهاد والتعذيب الذي لقيه المؤمنون من قريش، وهي السابعة والعشرين في تعداد النزول. وموضوعها واحد وهو معالجة مبدأ الثبات على الايمان حتى الاستشهاد في مواجهة ظلم الكافرين، وذلك من خلال التعرض لحادثة الأخدود التي يعرفها العرب والتي قد حدثت قبيل البعثة النبوية،

من أكثر من 1400 عاما  قبل بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم  يقال أنه كان هناك أناس آمنوا بالله وكانوا يعيشون بين قوم لا يؤمنون بالله ويقال كان هذا باليمن.  ولما علم القوم وملكهم بإيمان بعض الناس كرهوا ذلك كرها شديدا وأنكروا على المؤمنين إيمانهم ثم قرروا أن يعاقبوا كل من يتمسك بالتوحيد ولا يعود إلى دين الملك وقومهم؛ فحفروا حفرة كبيرة مستطيلة يقال لها أخدود، وجمعوا كميات كبيرة من الوقود حتى يتمكنوا من اشعال نارا هائلة. ثم أتى الجنود بكل المؤمنين إلى هذه النار، وتجمع الناس يشهدون ما يحدث، وكان على هؤلاء المؤمنين الاختيار إما الكفر بالله والعودة إلى ملة قومهم  وإما أن يقتلوا حرقا برميهم جميعا في النيران المشتعلة في الأخدود.   وأمام الجميع تمسك هؤلاء المؤمنون بإيمانهم بالله، ثبتوا على الإيمان يقينا باليوم الآخر وطمعا في رضا الله وجناته، عالمين أن الدنيا ليست القرار وانما هي معبر واختبار؛ فاختاروا ان يعبروها إلى الآخرة فائزين   فما عند خير وأبقى.

 أُلقِىَ المؤمنون فردا فردا في النار المضرمة، حتى أتى دور سيدة صغيرة وفى يدها طفلها الرضيع؛ أشفقت للحظات عليه من النار فترددت،  فأنطق الله هذا الرضيع وقال لأمه اثبتي يا أم إنك على الحق- وهذه المعجزة مثال لمحبة الله ومودته لهذه السيدة فقد هيئ لها من الأسباب ما يعينها على الثبات حتى تنال الفوز الكبير، فانتهت حياتها مع رضيعها بالثبات على دين الله وكان هذا فوزا عظيما.    شهد أهل البلدة ما حدث لإخوانهم الذين ثبتوا. شهدوا هذا القتل الوحشي لكن لم يعرف أحد تفاصيل ما حدث لهؤلاء المؤمنين بعد ذلك. فجاءت آيات القرآن تدلنا ما خفي عنا في علم الغيب عن ما حدث لهؤلاء جميعا ولمن مثلهم من الشهداء.

 

فتبدأ السورة بالقسم على ثلاث أشياء للتنبيه على عظم الحادث الذي تتحدث عنه، أقسم ربنا بالسماء الواسعة المتناهية العلو والكبر والمهيبة وبما فيها من بروج عظيمة يراها كل أحد والتي لا ينكر وجودها وعِظَمِها بشر، وفي هذا تنبيه إلى عِظَم قوة الله وقدرته المتناهية وحكمته وتقديره المتناهي، هذه الحقيقة نشهدها جميعا ولا يستطيع أحد انكارها،   ثم أقسم أيضا مُؤَكِّدا أمرا غيبيا هو أخطر وأعظم شأنا من السماء، وهو يوم القيامة يوم الفصل بين الناس، يوم الجزاء على أعمال الدنيا، وهو ركن أصيل في صحة الأيمان بالله، فكما نرى بأعيننا السماء الشاهقة وما فيها من بروج هائلة ولا ننكر رؤيتها وننظم بحسابها زمن الحياة على الأرض، كذلك إن يوم الحساب على الاعمال لآت لا محالة. ثم اقسم بأمر آخر وهو شاهد ومشهود وهذا معنى واسع يشمل كل ما يمكن أن تتضمنه تلك الكلمات دون تحديد لأحدها، بدأ من الله الشهيد على كل شيء، ثم الملائكة، ثم كل انسان حضر أو شاهد حادثة الأخدود وما شابهها من الجرائم التي يفتن فيها المؤمنين ويعذبون، فهذه أمور عظيمة عند الله ولا يظن أحد انها تمر هكذا بلا عقاب وبلا حساب ، وفي السورة عدة مشتقات: شاهد، مشهود، شهود، شهيد، مع ملاحظة ان محور السورة هو الشهادة في سبيل الله (التضحية بالروح في سبيل الله، الثبات على الإيمان) .

              والجريمة التي تتحدث عنها الآيات من أبشع جرائم الإنسان عندما تنتزع الإنسانية ويتجرد الإنسان من المثل العليا فيتردى إلى  وحشية هي ادنى وأشد من الحيوانات المفترسة، فقد حفر اخدودا كبيرا وجمعوا له وقودا كثيرا حتى تكون النيران هائلة وتستمر طويلا فتحرق كل أجزاء المؤمنين بالله الممتنعين عن ترك دينهم إلى الكفر.

لقد حكم الله على هؤلاء القتلة بالهلاك واللعنة والطرد من رحمته لما اقترفوه من وحشية فقد حرقوا أناس منهم آمنوا بالله وتركوا دين الكفر الذي كان عليه قومهم. وجلس هؤلاء الكفار يشاهدون النار وهي تحرق المؤمنين،  وما كانت جريمة المؤمنين إلا أنهم استجابوا لفطرتهم السليمة ولنداء العقل السليم فآمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السموات والأرض ، ولم يدرك هؤلاء القتلة المجرمون أن "الله على كل شيء شهيد" ، فوقهم خالق السماوات والأرض والنجوم يشهد كل ما يفعلون، وكفى بالله شهيدا، ويشهد عليهم الملائكة وسيشهد عليهم اعضاءهم "يوم تشهد عليهم السنتهم وايديهم وارجلهم بما كانوا يعملون"، وهم سيشهدون على أنفسهم في اليوم الموعود وسيشهد عليهم شهداء المؤمنين الذين قتلوا، وياله من يوم عظيم! وبين الله أن هؤلاء المؤمنين فازوا فوزا كبيرا فأدخلهم الله جنات تجري من تحتها الأنهار، والله غفور لذنوبهم ودود لهم يغمرهم بمودته واحسانه واكرامه فيخفف عنهم هول ما يمرون به في الدنيا بل ويتمنون أن يعودوا للدنيا فيقتلوا مرة أخرى ليتمتعوا بمودة الله وكرامته التي يغدقها على الشهداء.

ومع أن السورة لم تذكر بوضوح كيف انتهت حياة هؤلاء القوم المجرمين في الدنيا، إلا أن الله أشار فيها  "لهم عذاب جهنم" وهذا في الآخرة، و"لهم عذاب الحريق" لعل هذه كانت نهايتهم  في الدنيا وقد أهلكهم الله بحريق من جنس جريمتهم، والله أعلم.

 وقد أشار السياق إلى ما حدث لفرعون وجنوده، وإلى ثمود قوم صالح، ونعلم من سور أخرى في القرآن  أن كلاهما كان في غاية القوة والتجبر والتكبر وقد أهلكهم الله في الدنيا بعذاب بئيس ؛ عقاب الغرق لفرعون وجنوده ،أما ثمود فأهلكوا بصاعقة العذاب الهون الذي دمّر بلادهم وأهلكهم ولم يترك لهم من باقية هذا في الدنيا، ولهم في الآخرة أشد العذاب. وقد أكدت السورة أن الله محيط بهؤلاء المجرمين يمهلهم لحكمة حتى إذا أخذهم لن يفلتوا من شدة بطشه بهم، و هذه التذكرة كذب بها الكافرون زمن محمد صلى الله عليه وسلم ويكذب بها أمثالهم من بعده ولا يتعظون بها،  ولا يدري هؤلاء أن الله وعذابه محدق بهم وعذابه لا مفر منه ، فهو يملي لهم إلى حين فإن أخذهم لا يفلتهم. كل هذه الآيات أخبار صدق تتلى علي الناس في سور هذا الكتاب السامي المجيد وكل هذه الأخبار في لوح محفوظ عند رب العزة لا تبديل فيها ولا تمسه الشياطين

وحادثة الأخدود مثل يعم كل من ينطبق عليه مثل تلك الوحشية في أي زمن مضى أو أي زمن آت فلنتعظ ولنتعلم. ولا حول ولا قوة إلا بالله

  

No comments:

Post a Comment

  دعاء  النجاة قاله الامام الشافعي  رجاء ادعوا به أهل غزة لعل به ينجيكم الله أهل غزة من عدوان اليهود ومن كل اذى  وشر وضر بعث هارون الرشيد إل...